علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

158

شرح جمل الزجاجي

بينك وبين لقائه أكثر من ذلك وهو ما بعد يوم الجمعة . وإذا قلت : أول ذلك يوم الجمعة ، جاز لأنّك أخبرت بأول الانقطاع أنّه كان في يوم الجمعة ثم اتصل . فمذهب أبي علي الفارسي أولى لاطراده . * * * واعلم أنّ " مذ ومنذ " إذا وقع بعدهما الزمان ووقع بعدهما الفعل فلا بدّ أن يكون ذلك الفعل ماضيا ، وإن كان مضارعا ، فلا يجوز إعماله في ظرف ماض ولا مستقبل ، فلا تقول : " ما رأيته مذ زمن يقوم أمس " ، لتنافر ما بين " يقوم " و " أمس " . وكذلك لا يجوز : " ما رأيته مذ زمن يقوم غدا " ، لأنّ معناه الماضي ، ولا يقع المضارع موقع الماضي إلّا في مواضع محفوظة . فإن جئت بفعل مضارع ، فإنّما يكون وحده غير معمل في شيء ، ويكون على حكاية الحال ، فتقول : " ما رأيته مذ زمن يقوم " ، تريد : منذ زمن كان فيه يقوم . واعلم أنّ " مذ " و " منذ " إذا دخلت واحدة منهما على الفعل ، فلا بدّ من أن تكون الصيغة ماضية ، فتقول : " ما رأيته مذ قام زيد " ، ولا يجوز : " مذ يقوم زيد " . وعلّة ذلك أنّ الفعل إذا وقع بعدهما ، فلأنّه على تقدير زمن محذوف ، فهو هنا مجاز ، فكرهوا أن يكون ثمّ مجازان : حذف الزمان وحكاية الحال . واعلم أنّك إذا أوقعت بعدهما الليالي فإنّ الأيام داخلة معهما ، فإذا قلت : " ما رأيته مذ ليلتان " ، كنت فاقدا له ليلتين ويومين ، فهو انقطعت رؤيته مثلا في عشيّة يوم الجمعة ، ثم اتصل ذلك إلى عشية يوم الأحد ، ولا يجوز أن يكون ذلك اتصل إلى غدوة الأحد إلّا قليلا ، لأنّ العرب كنّت بالليالي عن الأيام ، ولم تفعل ذلك بالأيام . فإذا قلت : " ما رأيته مذ ثلاثة أيام " ، أمكن أن يكون انقطاع الرؤية من ليلتين ، لأنّها لم تكنّ عن الأيام إلّا بالبياض . * * * واعلم أنّ " مذ " و " منذ " إذا دخلا على أسماء الاستفهام ، فلا بدّ أن يكون ما دخلا عليه يستعمل ظرفا واسما . فيقول : " ما رأيته مذ ثلاثة أيام " ، وأنت لم تدر العدد ، فتقول : مذ كم ؟ ويقول : ما رأيته مذ يوم الجمعة ، فلم تدر ابتداء الغاية فتقول : مذ متى ؟ ومذ أي وقت ؟ ولا يجوز : " مذ مه " ، لأنّ " ما " لا تكون ظرفا و " متى " و " كم " يستعملان ظرفين . ومن النحويين من أجاز : " مذ مه " ؟ لأنّها قد تشبّه بالظرف ، ألا ترى أنّها تكون مع الفعل بمنزلة مصدر ، وذلك المصدر يكون ظرفا ، نحو قول العرب : " سبحان ما سبّح الرعد بحمده " . وكذلك سائر أسماء الزمان ، بشرط أن تكون متصرفة ، فتقول : " ما رأيته مذ الشتاء